عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

521

اللباب في علوم الكتاب

وهذا نوع آخر من أعمال المنافقين الفاسدة ، وذلك أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم كان يبعث السّرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر « 1 » المنافقون يستخبرون عن حالهم ، فيفشون ويحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فيضعفون به قلوب المؤمنين ، فأنزل اللّه - تعالى - وَإِذا جاءَهُمْ يعني : المنافقين « أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ » أي : الفتح والغنيمة « أَوِ الْخَوْفِ » أي : القتل « 2 » والهزيمة « أَذاعُوا بِهِ » : أشاعوه وأفشوه ، وذلك سبب للضّرر من وجوه : أحدها : أن مثل هذه الإرجافات لا تنفكّ عن الكذب . وثانيها : إن كان ذلك الخبر من جانب الأمن زادوا « 3 » فيه زيادات كثيرة ، [ فإذا لم توجد تلك الزّيادات ، أورث ذلك شبهة للضّعفاء في صدق الرّسول - عليه السلام - ] « 4 » ؛ لأن المنافقين كانوا يروون « 5 » تلك الإرجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك الخبر خوفا ، تشوّش الأمر على ضعفاء المسلمين بسببه ، ووقعوا في الحيرة والاضطراب ، فكان ذلك سببا للفتنة . وثالثها : أن العداوة الشّديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفّار ، فكان « 6 » كلّ واحد من الفريقين مجدّا في إعداد آلات الحرب وانتهاز الفرصة ، فكل ما كان [ أمنا ] « 7 » لأحد الفريقين ، كان خوفا للفريق الثّاني ، وإن [ وقع خبر الأمن للمسلمين ، أرجف بذلك المنافقون ، فوصل الخبر في أسرع مدّة إلى الكفّار ؛ فاحتزروا وتحصّنوا من المسلمين ، وإن ] « 8 » وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه ، وألقوا الرّعب في قلوب الضّعفة ، فظهر أن الإرجاف منشأ الفتن والآفات « 9 » . قوله : أَذاعُوا بِهِ : جواب إذا ، وعين أذاع ياء ؛ لقولهم : ذاع الشّيء يذيع ، ويقال : أذاع الشّيء ، أيضا بمعنى المجرّد ، ويكون متعدّيا بنفسه وبالباء ، وعليه الآية الكريمة ، وقيل : ضمّن « أذاع » معنى « تحدّث » فعدّاه تعديته ، أي : تحدّثوا به مذيعين له ، والإذاعة : الإشاعة ، قال أبو الأسود : [ الطويل ] 1842 ب - أذاعوا به في النّاس حتّى كأنّه * بعلياء نار أوقدت بثقوب « 10 »

--> ( 1 ) في ب : بادروا . ( 2 ) في ب : الفشل . ( 3 ) في ب : أمنا زادوا . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : يردون . ( 6 ) في ب : وكان . ( 7 ) سقط في أ . ( 8 ) سقط في أ . ( 9 ) في ب : الآلات . ( 10 ) ينظر البيت في ديوانه ( 98 ) والكشاف 1 / 541 والدر المصون 2 / 402 ، والمحرر الوجيز 2 / 84 .